حسن الأمين

302

مستدركات أعيان الشيعة

ورثاء الفرزدق نوعان : نوع شخصي يرثي فيه أباه وأبناءه . ولا نبالغ إذا قلنا إنه مدرجة للفخر ليس غير . ونوع رسمي يرثي فيه أرباب السلطان كسليمان بن عبد الملك وبشر بن مروان والحجاج وأخيه وابنه ولهذا النوع صفة المديح في أكثره إلا ما نراه في رثائه لبشر بن مروان . ولمحمد بن العاص من مظاهر العاطفة المخلصة . أضف إلى ذلك ان صلابة شعره وفخامة ألفاظه لا تعير نفسها للرثاء . وهو وان أظهر التجلد والتأسي في رثاء أولاده خاصة فإنه قليل المبالاة بموت النساء ولو كن زوجاته . ولقد اشتهر ان النائحات نحن على امرأته النوار بشعر جرير . وبعد فانا لا نملك إلا أن نعد الفرزدق متخلفا في هذا الفن . ولكنه ليس التخلف الذي يبدو فيه بدعا ذلك بان الفحول الثلاثة في العصر الأموي : الأخطل والفرزدق وجريرا لم يبرزوا في هذا الفن على تفاوت فيما بينهم . « كان الأخطل أكثرهم تخلفا وكان جرير سابقهم . والفرزدق بين بين » . الخصائص العامة لشعر الفرزدق أول ما يبدو لقارئ ديوان الفرزدق سعة معجمه واثراؤه . ومقدرة الشاعر أن يجول في ميادين شتى لا يعجزه ما طبع عليه من جزالة الكلم وشدة أسره : لقد قوي على معجم العربية فتراءت في أشعاره الألفاظ والصيغ التي قل استعمالها فبعثها الفرزدق من مرقدها لتتالق في شعره . كان يجد في إحيائها احياء المعنى نفسه لا يؤديه سواها ولعله كان يرى في نقل صياغة بعضها أو ضخامة أصواتها وخشونة جرسها معينا لما يريد أن يوحي به من معان أو ما يفيئه من ظلال . وكان يجرؤ على الاشتقاق والتضمين ومغايرة المألوف ليؤدي معناه ويضم إلى ذلك جرأة في اصطناع المجاز يتجاوز به المتعارف الذي درج عليه القول . وتناقلته الألسن . فحفز هذا كله اللغويين ان يسارعوا إلى شعره يستمدون منه الدليل والشاهد . ونتيجة لذلك . أطبق النحاة واللغويون على نعت الفرزدق بالتعقيد ومداخلة الكلام . فهذا الشاعر الفذ كان يلتوي عليه القول أحيانا فيخالف نظام الجملة ويفلت منه النسق المألوف في ترتيب الألفاظ على وفق ترتيب المعاني فيقع له من التقديم والتأخير في مواضع الكلم ما يفسد المعنى . كان يهجم على المعنى فإذا استقام له لم يبال بصيغة ألفاظه اقتدارا منه على الشعر واعتدادا بنفسه . فقد كان يحمل في حناياه من الزهو والغطرسة والتعالي ما ناى به ان يعود لقوله فيرتب ألفاظه ويقرب بعيده ويقيم مناده . فكان هذا التمرد في نظم الجملة صدى لتمرد في نفس الشاعر وجموح في طبعه وإحساسه انه وريث الجاهلية في فضائلها وخلقها وفي لسانها وبيانها فهو يتعالى ان يعود لما قال فيهذب حواشيه . ولكن النحاة لم يقصروا اهتمامهم على جانب التعقيد في شعر الفرزدق بل توفروا على جانب آخر من شعره حظي منهم بعناية أشد ودراسة أطول فقد استمدوا من شعره شواهد كثيرة أيدوا بها ما أصلوه من قواعد ، وفسح لهم في مجال الأخذ أن الفرزدق المحيط باسرار العربية الخبير بطرائق شتى في التعبير قد ضمن أشعاره فنونا من القول قل استعمالها ونزر وبدت للنحاة غريبة نادرة فانعكس ذلك كله في شواهدهم التي تدرجت من العام المتعارف المألوف إلى الطريف النادر لا يقوى عليه إلا القلة من الفصحاء الأبيناء وغصت كتبهم باشعار الفرزدق وأكثروا منها اكثارا لا نجده لشاعر آخر . وقد كان تعقيد الفرزدق وشذوذه النحوي مثار جدل بين الرواة والأدباء فمن مدافع عنه رافع لشأنه ومن مهجن لشعره . وحفظت لنا كتب الأدب العديد من هذه المجالس الجدلية . فقد تذاكر عامر ومسمع ابني عبد الملك ابن مسمع - وكانا من أشراف بكر بن وائل ورواتها ونسابيها - الفرزدق وجريرا وكان عامر يقدم جريرا ويفضله وكان مسمع يقدم الفرزدق ويحتج له . فتباحثا في أمرهما . فاخذ عامر يقدم جريرا ويحتج على الفرزدق بما عقد من شعره . فقال أخوه : أنت يا أخي لا تعقل تسقط الفرزدق بما عقده من شعره شيء تمتحن الرجال فيه عقولها حتى يستخرجوه وسقط جرير عي . قال الفرزدق الشعر زهاء ثمانين عاما لم تخب قريحته ولم يتوقف . وديوانه الباقي لا يوازيه غزارة شعر ديوان شاعر من الجاهليين والإسلاميين . ومضى الفرزدق على غلوائه يجري فرأى أنه وريث الشعراء الماضين والحفيظ على تراثهم الفني . ودفعه الزهو وخيلاء الشعر ان يتعالى على الأقدمين ويدعي التفوق عليهم : قصائد لم يقدر زهير ولا ابنه عليها ولا من حولوه المخبلا ولم يستطع نسج امرئ القيس مثلها وأعيت مراقيها لبيدا وجرولا ونابغتي قيس بن عيلان والذي أراه المنايا بعض ما كان قولا فأول ما يلفت النظر في شعر الفرزدق خصب معانيه وغزارتها وتنوعها . عمق المعاني وتدفقها وقدرة الشاعر على الافتنان فيها والتجديد تدل على سمتين من سمات الشاعر : عمق الفكرة وتوقد نفسه . عمق الفكرة يبسط أمامه رقعة أوسع ينفذ فيها إلى ما لا ينفذ فيه غيره وتوقد النفس يرفده في المقامات والمناقضة حيث يكون للذكاء الكلمة الأولى وللبديهة والارتجال الموقف الفاصل . هذا الغنى في المعاني يتصل به قدرة الفرزدق على الإفاضة في معناه . انه يتناول المعنى من جوانب عدة حتى يستوفيه . وفي سبيل استيفاء المعنى كثر عند الفرزدق ارتباط الأبيات وهو ما يسميه العروضيون : التضمين . وقد جعلوه عيبا من عيوب الشعر . وكان لسعة معارف الشاعر ووفرتها وتنوعها أثر أسعف الفرزدق ان تغزر معانيه وان يفتن فيها وينوع وتجلى ذلك في صور شتى : ظهر في أشعاره الأمثال والحكم يستمدها من معارفه أو يكونان صدى تجاربه وما عاناه في هذه الحياة . وقد أوحى له الموت بطائفة من حكمه المتناثرة ! أرى كل حي ميتا فمودعا وان عاش دهرا لم تنبه النوائب وكان للقرآن والدين ومجالس الفقهاء والوعاظ أثر في حكمته بارز فهو يوصي المرء بحسن العمل والتزود للآخرة قبل أن يدهمه الموت . وهو يعلنك بقدرة الله الشاملة وعجز الإنسان الضعيف تجاهها وما ينتظر الإنسان يوم البعث والحساب : ألا كل شيء في يد الله بالغ له أجلا عن يومه لا يحول وان الذي يفتر بالله ضائع ولكن سينجي الله من يتوكل ويرضى بالقدر ويستسلم لحكمه وقضائه : وليس بمحبوس عن النفس مرسل إليها إذا نفس أتاها حمامها ومن معانيه الدينية حديثه عن اليمين اللغو وتخليد القاتل في النار وأن